Sunday, 1 June 2008

من هو دافيد سميث وما هو معهد الدراسات الدولية للسلام؟

2008/02/17
تقوم الفضائيات العربية، في نشرات الاخبار وبرامجها الاخبارية الطويلة، وبحكم تغطيتها للاخبار علي مدي 24 ساعة، باجراء مقابلات او استشراف رأي شخصيات يتم تقديمها باعتبارها (خبيرة في شؤون الشرق الاوسط) أو (باحثة استراتيجية في المعاهد الدولية) ويكرس لها الوقت والترجمة،ان كانت الشخصية غير ناطقة باللغة العربية، فضلا عن توفير المصداقية المهنية والعلمية من خلال توفير المساحة الاعلامية لصوتها ليصل الي ملايين المشاهدين، وهي مساحة ثمينة حقا وغير متوفرة للجميع. ان دعوة الخبراء والمختصين جهد ممتاز، فنحن المشاهدين، بحاجة الي من يغطي صورة الحدث من كافة الزوايا لنتمكن من فهم طبيعته وأسباب حدوثه وبالتالي محاولة تكوين صورة معقولة عنه. غير ان الطريقة التي تقدم فيها الفضائيات شخصياتها (الخبيرة والمختصة) في شؤون الشرق الاوسط والباحثة والاستشارية في المعاهد الدولية، تثير الالتباس لعدة اسباب، من بينها اولا: كثرة استخدام الالقاب ذاتها كأن يتم تقديم الشخص بانه فلان ابن فلان المستشار او الباحث في معهد كارنيجي أو المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أو المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية أو مؤسسة الدراسات الديمقراطية في الشرق الاوسط. فما الذي نعرفه كمشاهدين، نصغي لوجهة نظر الخبراء من هذه المعاهد والمؤسسات، عن هذه المعاهد؟ ما الذي نعرفه عن سبب تأسيسها وكيفيته وعمن يديرها ويمولها وماهية سياستها؟ وما هو سبب اختيار هذه الشخصية من قبل الفضائية دون غيرها؟ وهل لتكرار ابراز الشخصية علاقة بسياسة المعهد وتمويله وسياسة القناة الفضائية وتمويلها أم انه مجرد كسل من قبل معدي البرامج والاخبار وضيق الوقت للعثور علي وجوه جديدة أو صعوبة الاتصال بآخرين؟ السبب الثاني لاثارة الالتباس هو عدم معرفة المشاهد في البلاد العربية بالشخصيات التي يتم تقديمها، لكونها غريبة عليه، ولم يحدث وان اطلع علي كتاباتها ودراساتها وتاريخها البحثي والسياسي، كما هو الحال مع الباحثين والمتابعين للشأن السياسي من البلدان العربية. فعندما يتم اجراء لقاء مع عزمي بشارة، مثلا، استشرافا لرأيه في احدي القضايا العربية او العالمية، يعرف المشاهد، ولو بدرجات مختلفة، من هو عزمي بشارة وماهي مواقفه السياسية والفكرية، وبناء علي ذلك تتكون لديه اللبنة الاولي في الاصغاء النقدي للحوار والاستشارة المبنية علي المصداقية السياسية والفكرية، سواء وافقه الرأي ام خالفه. في مقابل ذلك، عندما تقدم الفضائيات، مثلا، المدعو دافيد سميث من معهد الدراسات الدولية للسلام، من الطبيعي ان يسأل المشاهد: من هو دافيد سميث؟ وما هو معهد الدراسات الدولية للسلام؟ ويكتسب السؤال مشروعية اكبر في زمن تشابهت فيه الالفاظ والمفردات الموظفة لوصف الخطاب السياسي والفكري وبرامج (بناء الديمقراطية ومحاربة الارهاب)، من قبل جهات مؤسساتية واعلامية، سواء عن حسن نية او لغرض التضليل والتعمية. مما يجعل الحاجة الي الوضوح في تقديم صاحب الرأي او الاستشارة فضلا عن المؤسسة السياسية او الفكرية التي يمثلها ضرورية، منعا لاستغلال الوقت الاعلامي، الفضائي، الثمين، مجانا لمن يبتغي الترويج لسياسة تدعي الحرص علي المفاهيم والافكار ذات العلاقة المباشرة بحياة مواطنينا وتكوين وعيهم السياسي، بينما تكرس في الواقع سياسة، قد تكون مباشرة او بعيدة المدي، تهدف تزويرا وتضليلا، الي الهيمنة السياسية والفكرية والاقتصادية. ولئلا نضيع في العموميات سأعطي مثالا، وهو تقديم قناتي الجزيرة و العربية المدعو د. وليد فارس، كباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لتبيان وجهة نظره ومعهده في الاحداث الدائرة في البلاد العربية بدءا من هجوم الكيان الصهيوني علي فلسطين ولبنان وانتهاء بكيفية (بناء الديمقراطية) في البلاد العربية والتعقيب علي نتائج الاستفتاءات الدالة علي تصاعد كراهية المسلمين لامريكا! فمن هو وليد فارس، وماهو معهد الدفاع عن الديمقراطيات؟ ولماذا تمنح القناتان فضاءهما الثمين للمعهد؟ اجابة علي السؤال الاول، وليد فارس هو امريكي لبناني الاصل يعمل كباحث متقدم في معهد الدفاع عن الديمقراطيات. وهو مدير برنامج مستقبل الارهاب، وهو أحد البرامج الرئيسية للمعهد الذي يخطط للتوعية بمخاطر (الجهاديين الاسلاميين) واستراتيجيتهم المستهدفة لامريكا والبحث في كيفية الدفاع ضد ارهابهم العالمي. وهو، ايضا، مستشار لقناة فوكس نيوز الامريكية وتتم استضافته من قبل الـ سي ان ان و الحرة و الجزيرة و العربية وعشرات الاذاعات الأخري فضلا عن كونه احد المتحدثين الرئيسيين في مؤتمر ايباك (لجنة العلاقات الاسرائيلية ـ الامريكية العامة) التي تعرف نفسها بأنها اللوبي الامريكي المساند لاسرائيل. أما المعهد الذي يحتل فيه فارس موقعا متقدما فانه عضو أساسي في منظومة المحافظين الجدد التي ساهمت في تشكيل اولويات السياسة الخارجية الامريكية لحكومة جورج بوش، خاصة، في مجال التوسع الامبراطوري عن طريق احتلال العراق والحث علي توجيه الضربات الي سورية وايران تحت شعار محاربة الارهاب، والترويج للفكرة القائلة بان امريكا والغرب في حالة حرب مع ( الاسلام الفاشي) مما يستدعي ضرورة حث الرأي العام علي مساندة السياسة الامريكية الداعمة لاسرائيل في الشرق الاوسط. ويعتمد المعهد في بث افكاره علي البرامج الثقافية والعمل في صفوف الطلبة والجامعات فضلا عن منظمات المجتمع المدني والمنظمات النسوية كما يحدث في العراق المحتل واقامة المؤتمرات الملونة عن الحوار (الديمقراطي) والبحث في ايجاد الحلول للارهاب الاسلامي. ويركز المعهد علي العمل في المجال الاعلامي وابراز متحدثيه للادلاء بآرائهم في كل المنافذ الاعلامية المتوفرة وخاصة الناطقة باللغة العربية. كما يقوم بالحملات الاعلامية المكثفة المضادة لكل ما يراه يمس اسرائيل. لذلك شن المعهد حملته العالمية ضد قناة المنار اللبنانية باعتبارها (منبرا ارهابيا)، بينما وقف، في محكمة العدل الدولية، بجانب حق اسرائيل في بناء الجدار العنصري الخانق للحياة الفلسطينية دفاعا عن (وجود اسرائيل ضد الارهابيين) الفلسطينيين. كما عمل المعهد علي تأسيس منظمة نساء من أجل عراق حر التي ساهمت في تحشيد الرأي العام العالمي لشن الحرب علي العراق فضلا عن تأسيس منظمة تحالف الحرية العراقية ـ الامريكية الهادفة الي (ايصال مشاعر الشكر والامتنان من العراقيين الي امريكا لانها حررتهم وتساعدهم علي بناء الديمقراطية)! والمعروف ان لوليد فارس علاقة طيبة قديمة بميليشيا حراس الارز المسؤولة عن اغتيال حوالي 3000 فلسطيني في مخيم تل الزعتر في عام 1976، حسب اسماعيل روير، الباحث سابقا في مجلس العلاقات الاسلامية الامريكية. واود ان أشير هنا بأنني مع حرية الرأي والاعلام وضد فرض الرقابة علي اجهزة الاعلام بأي شكل كان. فلقد ابتلينا، طوال حياتنا، في معظم البلدان العربية والاسلامية بانظمة قمعية لو اتيحت لها الامكانية لوضعت العدادات علي انوفنا لتحسب عدد المرات التي نستنشق فيها الهواء، فكيف بابداء الرأي؟ ولكنني أقف بقوة مع فكرة المعاملة بالمثل وبالمساواة بين الشعوب علي كافة الاصعدة لتحقيق العدالة والسلام. اعلاميا، هذا يعني بشكل واضح وصريح: الساعة بالساعة والدقيقة بالدقيقة. مما يوقفنا ازاء عدد من الاسئلة المهمة والضرورية للفهم والتوضيح. تري، هل تمنحنا اجهزة الاعلام الاسرائيلية الصهيونية والقنوات الامريكية ـ الصهيونية وقتا وزمنا مماثلا لما نوفره لمتحدثي وزارة الدفاع والجيش الاسرائيلي وعسكريي الاحتلال؟ هل تتيح القنوات الفضائية الغربية الصهيونية وقتا للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني وحقه في العودة وتقديم المتحدثين باسم حماس في برامجهم الحوارية والاخبارية؟ وما هو الوقت المحدد لهم؟ وهل تتاح الفرصة لعراقي أو عربي يتحدث دفاعا عن المقاومة العراقية وعملياتها المستهدفة للاحتلال الانكلو ـ امريكي الصهيوني في القنوات الامريكية العامة وعلي شاشة التلفزيون الاسرائيلي؟اذا كان الجواب نعم، انها مسألة عادية حيث تتم استضافة الفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين، المناهضين للاحتلال الانكلوامريكي ـ الصهيوني، وتوفير الوقت اللازم لهم لإبداء آرائهم فور حدوث أي حدث يمس الشأن الامريكي ـ الاسرائيلي، في القنوات الاسرائيلية والامريكية العامة والصهيونية، فأنني سادافع عن حق استضافة أي وليد فارس علي وجه الارض الي استديوهات الفضائيات العربية. أما اذا كان الجواب نفيا، فالسؤال هو: لماذا، اذن، نوفر لاصوات الاحتلال والقمع والتهجير والعقاب الجماعي وقتل مواطنينا فضاءنا الاعلامي ليحتلوه كما احتلوا اراضينا عسكريا، وبدون ان يتم تعريفهم بشكل حقيقي؟