Wednesday, 10 November 2010

المواطن العراقي يدفع ثمن تفعيل الاقتصاد الامريكي

القدس العربي
01/05/2010
في الوقت الذي تجرجر فيه امريكا بعض قواتها الى قواعدها ' غير الدائمية' المتناثرة في ارجاء مختلفة من العراق (تذكروا بان قواعدها في اليابان لاتزال توصف في معاهداتها بانها غير دائمية)، وبينما تسحب بعضها الآخر ليحل محلها المرتزقة والمتعاقدون بانواعهم، تبذل أمريكا اقصى جهدها للاستيلاء على النفط وأموال العراق بكل الطرق الممكنة قديمة كانت أم حديثة، ومهما كانت درجة لا شرعيتها.
غير آبهة بالقوانين الوطنية او الدولية. وأنا لا اتحدث هنا عن توقيع عقود النفط المستبيحة لحقوق الشعب فحسب، اذ ان من الافضل، في هذا المجال، قراءة كتابات د. عصام الجلبي، وزير النفط السابق، خاصة مقاله الأخير عن عقود تراخيص النفط ' التي أبرمتها الحكومة العراقية الحالية، وعددها 11 عقدا تغطي حوالي 80' من الاحتياطي العراقي، والتي صرحت وزارة النفط، أخيرا، بأن (عقود الخدمة النفطية التي تم إبرامها ضمن جولة التراخيص الأولى والثانية تفرض على الحكومات الجديدة الإيفاء بالتزاماتها التعاقدية مع الشركات وإن هذه العقود نافذة بحق أية حكومة مقبلة ولا يجوز فسخها)
وذلك بعد صدور تصريحات عدة من شخصيات في عدد من الائتلافات الرئيسية حول ضرورة مراجعة وإجراء بعض التعديلات على تلك العقود من قبل الحكومة المقبلة'. ومعنى بيان وزارة النفط هو تحذير اية حكومة مقبلة ألا تلعب بذيلها، وان تسكت وتستريح لكي تنال حصتها من الأسطة.
ولكنني، أشير هنا الى سرقة من نوع آخر، الى عقود مبيعات الاسلحة
الموقعة مع الولايات المتحدة، باعتبارها واحدة من طرق الهيمنة الاستعمارية القديمة اذ تتمكن الدولة المستعمرة من خلالها السيطرة على نوعية السلاح الذي يتم التزود به والصيانة وامكانية التزود بقطع الغيار الضرورية، آخذين بنظر الاعتبار ان رفض التزويد بقطعة غيار واحدة قد يؤدي الى تعطيل طائرة او دبابة تبلغ كلفتها الملايين من الدولارات، فضلا عن ارتباط المشتري بالبائع بحكم الحاجة المفروضة وتوقيع اتفاقيات التدريب على هذه الاسلحة من قبل ذات البائع.
وصفة القدم نابعة من كون العراق كان قد مر بالمرحلة، ذاتها، تقريبا، بعد توقيع حكومته في ظل الاستعمار البريطاني، على اتفاقية عام 1930 التي ربطت هيكلته العسكرية من ناحيتي التجهز بالمعدات والتدريب بالحكومة البريطانية ' الصديقة'.
أما صفة الحداثة في الهيمنة فانها تتماشى مع استراتيجية الولايات المتحدة في تطبيق سياستها وفق اتفاقية الاطار الاستراتيجي والتي تصب، في نتائجها النهائية، في تثبيت الرضوخ العسكري والسياسي والاقتصادي والثقافي. فضلا عن تزويد المستعمر بالاموال مقابل خدمات ومعدات قام هو بتخريبها بدلا من ايجاد السبل لجعله يدفع ثمن تخريبه كتعويض عادل. وهو وضع سوريالي بكل الابعاد حيث تقوم الضحية بتعويض الجلاد. وضمن هيمنة ازدواجية المعايير، لايزال الشعب العراقي يدفع المليارات تعويضا للحكومة الكويتية ثمنا لمغامرة حمقاء ارتكبها حاكم انتهى حكمه وتم اعدامه.
وتبين متابعة الجانب العسكري بين 'الحكومتين الصديقتين'، بان الشعب العراقي هو الذي يقوم، ايضا، بدفع تكاليف استهدافه وقتله. حيث تقوم الادارة الامريكية ببيع الاسلحة والعتاد الى حكومة الميليشيات، لحماية نفسها من مقاومة الشعب وليس من المستعمر. وتشير بنود الاتفاقية كلها الى اهمية 'الصداقة المتكافئة' بين الحكومتين والتي من المؤمل ان تكون 'نموذجا' يحتذى به من قبل دول المنطقة كلها.
من هذا المنظور، ولتمتص الادارة الامريكية، آخر فلس عراقي ربما حدث وبقي سالما في جيب احد المواطنين، تحرص الادارة على توقيع عقود مبيعات الاسلحة الى حكومات الاحتلال المتعاقبة، وان كانت تبدي غير ذلك ظاهريا بحجة حفظ توازن القوى في المنطقة. حيث أبرمت صفقات متتالية بلغ مجموعها حتى من عام 2005 الى منتصف 2008 ما يقارب 20 مليار دولار. ويشمل هذا المجموع 132 مليون دولار في عام 2005، 2.3 مليار دولار في عام 2006، 4.5 مليار دولار في عام 2007، و12.7 مليار دولار في عام 2008. واذا ماعلمنا بان مجموع مبيعات الولايات المتحدة للعام الواحد هو 15.4 مليار دولار في السنة حسب اتفاقات التسلح العالمي، فان العراق يتلقى نسبة كبيرة متزايدة من إجمالي المبيعات في جميع أنحاء العالم من الولايات المتحدة، من خلال برنامج المبيعات العسكرية الخارجية.
فمنذ عام 2005، بلغ متوسط دخل الولايات المتحدة من مبيعات الاسلحة الى العراق 4.9 مليار دولار سنويا. وهذا يضع العراق متقدما بفارق كبير على غيره من حلفاء الولايات المتحدة مثل مصر وإسرائيل، والذي بلغ في المتوسط 1.2 مليار دولار و 1.1 مليار دولار، على التوالي. حسب ترافيس شارب، محلل السياسة العسكرية في مركز السيطرة على التسلح وعدم الانتشار، في مقاله المنشور في 6 آب/ أغسطس 2008.
وقد فازت شركة جنرال ديناميكس، في كانون الثاني/يناير 2010، بعقد من الجيش الامريكي بقيمة 198 مليون دولار لبناء 140 دبابة للعراق بموجب برنامج المبيعات العسكرية الخارجية. وسيتم الانتهاء من العمل قبل 31 ايار/مايو 2011، كما ذكرت الشركة في بيان لها. وكان الجيش الامريكي قد قام بتأجير 22 دبابة للعراق (لاحظوا السخاء) لأغراض التدريب. وقد أكد الناطق الرسمي باسم الشركة أهمية توقيع العقد من ناحية تفعيل الاقتصاد الامريكي المحلي، في المدن التي سيتم فيها بناء الدبابات.
وامريكا ليست الوحيدة التي يساهم مواطنو العراق، الذين يعيش سبعة ملايين منهم تحت خط الفقر، بتفعيل اقتصادها اذ وقعت وزارة الدفاع العراقية عقدا مع وزارة الدفاع الصربية، في شهر نيسان/ابريل، 2008 بقيمة 235 مليون دولار وصفها وزير الدفاع الصربي بانها 'صفقة القرن' لمصانع الأسلحة الصربية. وقد حظيت الصفقة بمباركة الولايات المتحدة. وحظيت اوكرانيا بعقد تقدر قيمته بنحو 2.4 مليار دولار، وصفه مدير الأمن في البرلمان الأوكراني بانه 'الأكبر في تــاريخ أوكرانيا'. وإن 'الصفقة العراقية ستضمن فرص العمل في ما يزيد عن 80 مصنعا اوكرانيا متوقفة اليوم غالبيتها عن العمل'.
ولا يغيب عن اذهاننا صفقات الاسلحة التي تم تسليم أو نهب ثمنها نقدا وبالاكياس بالاضافة الى العقود الوهمية والمختلقة من اجل شرعنة النهب سواء من قبل الامريكيين او مستخدميهم من العراقيين ولاغــراض غير معقولة حتى لأكثر الناس بلاهة في شؤون التسليح.
ففي عام 2005، مثلا، حصلت شركة ' ديفينس سولوشنس' للاسلحة على عقد من الحكومة العراقية بقيمة 3.2 مليون دولار لتجديد دبابات تي 72 التي تعود الى الحقبة السوفييتية. لكن الصفقة، لتصليح دبابات قديمة غير صالحة للاستخدام اساسا، تم الحصول عليها من هنغاريا، نفدت، وفق عقد غير قانوني حتى بموجب قانون الولايات المتحدة، حسب الصحافية للشؤون العسكرية شارون وينبرجر. وكانت النتيجة تلاشي المبلغ مع بقاء سكراب الدبابات المتآكلة في اماكنها. وهذا نموذج لعشرات الحالات الأخرى في مجال التسليح العسكري الوهمي.
ان المواطن العراقي الذي خسر، نهبا وفسادا، حتى مفردات البطاقة التموينية التي كانت بالكاد تسد رمق افراد عائلته، والذي تم تهجير ما يقارب الخمسة ملايين من اهله، انما يدفع بدمه ثمن 'تفعيل' الاقتصاد الامريكي، عن طريق شراء معدات لن تتاح له فرصة استخدامها ضد اي اعتداء خارجي لان 'المعتدي الخارجي' موجود بين ظهرانينا ويسيطر، بهذه الاتفاقية وتلك، وتلك الصفقة وذلك العقد، على من يفترض به حماية السيادة. وما يحدث في مجال التبعية العسكرية مكمل للتبعية الاقتصادية عبر جولات التراخيص التي يصفها عصام الجلبي بأنها ' ألغت سياسة الاستثمار الوطني ودور شركات النفط الوطنية وقرارات التأميم بل وانتهاك سيادة العراق من حيث مصادرة القرار العراقي وإعطاء دور أساسي للشركات النفطية الأجنبية
'.