Wednesday, 10 November 2010

الجندي العراقي وممارسة الرياضة مع المستشارين الأمريكيين!

القدس العربي
12/09/2010
تشير يوميات ما بعد 'انسحاب' القوات الامريكية المقاتلة في العراق الى انها ستكون حافلة بالقتال لتؤكد مايكرره الكثيرون، من بينهم بعض قادة الاحتلال العسكري الامريكي أنفسهم، بأن العراق لن يتخلى عن سيادته واستقلاله، مهما كانت المسميات والمصطلحات المستخدمة. انها مؤشر عملي لمستقبل الايام المقبلة. وكلها تؤكد بان الآتي أعظم بالنسبة الى نوعية 'الخدمات' التي سيوفرها مستشارو الاحتلال بمعاطفهم الجديدة، تحت مسمى 'الفجر الجديد'، وهو اسم التعميد الذي منح لقوات الغزو في احتفال حضره قادة الاحتلال وبعض مستخدميهم، في الاسبوع الماضي، ليحل محل 'شركاء العراق' الذي حل، بدوره، محل أسم 'القوات الامريكية' والذي حل محل 'القوات متعددة الجنسيات'. وتذكرنا هذه التسميات المضللة بحقيقة ان الحرب على فيتنام، بكل بشاعتها وضحاياها الذين تجاوزوا الملايين من الجانب الفيتنامي، لم تسمها الولايات المتحدة حربا وبشكل رسمي اطلاقا بل كانت هناك سلسلة من القرارات الرئاسية التي تم بموجبها زيادة عدد 'المستشارين العسكريين' للمنطقة.
وكما في فيتنام، تتوالى الاحداث في العراق. وكلما تتعدد المسميات، تتعدد مستويات مقاومتها وكلما ابتكر المستعمراسلوبا جديدا او سيناريو لاحكام قبضته على العراق وأهله وثرواته كلما بادر الوطنيون الى المواجهة بأسلحة تدهش العدو وتكلفه خسائرلم يكن قد وضعها في حساباته. وحين أقول 'الاسلحة' انما اعني كل انواع وأدوات مقاومة المستعمر من المقاومة المسلحة واختراق صفوف العدو عسكريا وسياسيا الى النشاط السياسي والأعلامي والعصيان المدني والتكافل المجتمعي والأهلي الى الثقافة والأغنية. بشرط ان ينظر الى كل وجه من هذه الوجوه بانها مكملة وليست بديلة لبعضها البعض مع الاصرار على اولوية المقاومة المسلحة. فالعدو المتباهي بقوته العسكرية و'انتصاره' العسكري على العراق في 'حرب' استغرقت ثلاثة اسابيع فقط، حسب تصريحات ساسته، لايفهم غير لغة السلاح. وكلنا يعلم ان من يحتل بيتا بالقوة ويريد ان يمتلكه الى الابد رغم أنف اصحابه الاصليين وانتهاكا للقانون لن يخرج بمحض ارادته، فكيف اذا كان قد احتل بلدا غنيا بثرواته وموقعه الاستراتيجي؟
ومن متابعة يوميات مابعد 'الانسحاب'، يتبين لنا مواصلة 'المستشارين' الامريكيين المشاركة في عمليات المداهمة والاعتقالات والتحقيقات والاستخبارات والرصد الجوي فضلا عن الاجتماعات الوزارية والمؤتمرات وحضور الولائم وألالعاب الرياضية وتوزيع الصدقات على اليتامى والارامل (متظاهرين بانهم لم يكونوا سبب بلائهم). ويتصرف الجندي/المستشار الامريكي، وكأنه مالك للعراق وأهله، متمتعا بحس القوة الذي يمنحه اياه التجهز بأحدث الاسلحة ازاء المواطنين العزل، وغياب الحكومة الوطنية الممثلة للشعب، وتهميش القضاء وغياب القانون، مما يستفز حتى العاملين معه من الجنود والشرطة العراقيين، احيانا.
ولعل هذا هو ما حدث عصر الثلاثاء 7 آب/أغسطس، في طوزخورماتو، شمال بغداد، وبعد مروراسبوع بالضبط على 'انتهاء المهمة القتالية للولايات المتحدة'. اذ أطلق الجندي العراقي الكردي سوران رحمن صالح ولي النار على مجموعة من 'المستشارين' الامريكيين بعد 'شجار لم تعرف اسبابه'، مما أدى الى قتل اثنين واصابة تسعة اخرين. ولانعدام اجراء تحقيق مستقل في العملية واستحالة نشر تفاصيل التحقيق الامريكي ونتائجه، تبقى الاسئلة عالقة في الهواء، وهي: ما هي حكاية الجندي سوران ولي، ولم كان موجودا على مقربة من المستشارين؟ وما الذي دفعه الى اطلاق النار؟ وهل هو جندي حقا أم انه أحد افراد المقاومة ونجح في اختراق صفوف العدو لينفذ مهمة بطولية ضد العدو؟ آخذين بنظر الاعتبار ان جنديا امريكيا آخر كان، في الوقت نفسه، قد جرح اثناء قيامه بدورية في محافظة صلاح الدين اثر رمي قنبلة يدوية عليه.
من خلال متابعة ما كتبته وكالات الانباء وتصريحات جهات عراقية وأمريكية، تبرز قصص مختلفة عن الحدث ذاته. اذ صرح محمد العسكري، المتحدث باسم وزارة الدفاع، لوكالة الانباء الفرنسية ان 'عددا من الجنود والمستشارين الامريكيين كانوا يمارسون الرياضة مع جندي عراقي فاندلع شجار بينهم دفعه الى اطلاق النار عليهم فقتل جنديين واصاب تسعة ... ثم قام جنود امريكيون بقتل سوران اثر ذلك... واسباب الشجار غير معروفة حتى الان' مشيرا الى ان 'الجندي لا شبهات عليه طبقا للمعلومات الاولية'. ووقع الحادث في مطار الصديق الذي 'سلمته' القوات الامريكية الى العراقيين قبل تسعة اشهر. اما بيان جيش الاحتلال فقد حدد بان اطلاق النار كان باسلحة خفيفة. وان الجنود الامريكيين كانوا برفقة ضابط يعقد اجتماعا مع ضباط من اجهزة الامن العراقية. واصفا سوران بانه 'شخص يرتدي بزة عسكرية عراقية'. ونقل البيان عن الميجور جنرال طوني كوكولو قوله إن الحادث معزول ولا يعكس بالتأكيد صورة الجيش العراقي، واصفا اطلاق النار على الجنود الأمريكيين بالجبان والمأساوي. الا ان العقيد حسين البياتي، مدير شرطة طوزخورماتو، أعلن بان الجندي القتيل ينتمي الى فوج المغاوير وليست هناك اية معلومات تثير الشبهة حوله وحول عائلته والدليل ان شقيقه مروان يعمل مرافقا لقائم مقام قضاء طوزخورماتو. وان 'القوات الامريكية تقوم، برفقة الشرطة والجيش العراقيين، بعمليات دهم وتفتيش في احياء الجمهورية وجميلة ذات الغالبية التي ينتمي اليها الجندي واعتقلت مشتبها بهم من جيش انصار السنة'. وجاء في خبر أذاعه راديو سوا (الامريكي) بأن مروان، شقيق الجندي، قد تم اعتقاله والتحقيق معه.
ان قراءة هذه التصريحات تزيد من التساؤلات بدلا من اجابتها. لم المشادة، خاصة وان كل التقارير تشير الى أدب ولطف سوران؟ وكيف تمكن سوران من التقاط السلاح الخفيف، فورا في اثر المشادة، ورمي مثل هذا العدد الكبير من الجنود المدججين بالسلاح بدون ان يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم؟ وكيف حدث وتعامل الجنود الامريكيون بشكل حضاري مع الجندي العراقي وتركوه بسلام بعد المشادة الى حد تمكنه من اخذ السلاح ورميهم؟ ولم القت قوات الاحتلال القبض على عدد من الشباب في منطقة سكن سوران بتهمة انتمائهم الى 'أنصار السنة'، هل كان سوران من 'انصار السنة'؟
ربما، للبحث عن الاجوبة، يتوجب علينا العودة الى فيتنام.. كان لجبهة التحرير الوطني الفيتنامية، التي سماها الأمريكان بالفيتكونغ، مجموعة يطلق عليها اسم Saer وهي تضم نخبة من العسكريين والمهندسين وخبراء المتفجرات، وتعتبر قوة رئيسية في حرب التحرير. ويتميز افراد المجموعة ببراعتهم في اختراق المطارات والمعسكرات والمواقع المحصنة سواء الامريكية او التابعة للنظام العميل في الجنوب.
وقد تزايد الاعتماد عليها، خاصة، بعد عام 1968. وواحدة من عملياتها المشهورة، على سبيل المثال، الهجوم على السفارة الامريكية وكان احد افراد المجموعة سائق السفير الامريكي نفسه. وقد شارك في الهجوم 19 مقاتلا، نجحوا في تفجير السور المحيط بها والدخول عبره. ولأن قائد العملية قتل في الدقائق الاولى ولأنهم فشلوا في الدخول الى المبنى الرئيسي، واصلوا احتلال الارض المحيطة والقتال لمدة ست ساعات حتى آخر مقاتل وبعد ان قتلوا خمسة من جنود العدو. فهل كان سوران احد رجال المقاومة الوطنية؟ ألا يشبه هجومه هجمات أخرى حدثت في افغانستان، ايضا؟ وهي هجمات تحدث لنجاح المجاهدين في اختراق قوات الجيش والشرطة في افغانستان وباكستان. بهذا الصدد يقول وليد فارس، مدير 'برنامج مستقبل الارهاب'، في معهد الدفاع عن الديمقراطيات وهو معهد أسسه المحافظون الجدد، بأن 'الجيش الباكستاني مخترق من قبل المجاهدين وليس فقط القاعدة وطالبان، حقيقة معروفة في الولايات المتحدة. وفي تحليلي، ان اختراق القوات المسلحة الباكستانية هو مدعاة القلق الاساسية في اية استراتيجية'.
ألا تشير هذه 'المشادات غير المعروفة اسبابها' الى تعامي المستعمر ومستخدميه، كما مخططي الغزو، عن كبرياء الشعب وعزة نفسه وكراهيته لكل ما يذكره بالاحتلال واستمرار المقاومة لتحرير العراق، خاصة، وان هناك الآن، حوالي 9600 جندى امريكي في شمال العراق وحده، يتمركزون في ثماني قواعد أمريكية بحتة و16 قاعدة أخرى مشتركة؟