Friday, 19 June 2009

الرئيس اوباما وتكريس السياسة الامبريالية بمسحة دينية

06/06/2009
في ذات الوقت الذي ألقى فيه الرئيس الامريكي والقائد الأعلى للقوات العسكرية الامريكية باراك اوباما خطابه، يوم الخميس الماضي، في جامعة القاهرة، أعلن الجيش الأمريكي مقتل 3 جنود امريكيين في هجوم شنه 'مسلحون' في شرق أفغانستان. كما أعلن الجيش الامريكي مقتل جندي برصاص قناص في مدينة الفلوجة، غرب العراق. وتتطلب قراءة خطاب اوباما فهم تزامن الاحداث الثلاثة والخلفية السياسية والعسكرية والاقتصادية التي دفعت ادارته (الديمقراطية اليسارية بالمقارنة مع ادارة بوش الجمهورية بمحافظيها الجدد)، الى تقديمه كإعلان 'بداية جديدة' بين امريكا والعالم الاسلامي.
اقتصاديا، تعاني امريكا من واحدة من أسوأ الازمات الاقتصادية في تاريخها، وتفاصيلها الواضحة في افلاس وانهيار الكثير من مؤسساتها المالية والصناعية العريقة، لم تعد خافية على أحد. وأحد أهم أسباب الانهيار الاقتصادي الذي قلما يشير اليه السياسيون الامريكيون هو الحرب العدوانية على العراق والتي بلغت تكاليفها لوحدها حتى الآن أكثر من تريليون دولار، ويتوقع أن تتضاعف ثلاث مرات في السنوات المقبلة بسبب الجرحى والمعوقين، في حين كان المحافظون الجدد يتوهمون ان بلادنا منجم ذهب يسهل نهبه، وخططوا اقتصادهم ومشاريعهم العالمية على ذلك الأساس.
عسكريا، لا تزال القوات الامريكية تتلقى ضربات المقاومة العراقية الباسلة المستنزفة لقواها، على الرغم من كل التضليل الاعلامي الذي يدعي غير ذلك، في حرب اعلنت امريكا انتصارها فيها منذ ست سنوات، يوم ظنت بأنها ستمتلك العراق كمحطة بنزين يديرها عدد من الأجراء العراقيين باسعار بخسة. وكان عدد القتلى قد ارتفع في الشهر الماضي الى 25 وهو الاعلى منذ ستة شهور، وهو ما يمكن الاستنتاج منه على عدد الجرحى من قوات الإحتلال وتصاعد في عمليات المقاومة العراقية النوعية التي تأتي بعد تأقلمها مع التطورات التقنية المستمرة التي يمارسها الجيش الأمريكي لحماية قواته، وبضمنها استخدام المتعاقدين وقوات حكومة المنطقة الخضراء كدروع بشرية. وفي افغانستان، تتصاعد مقاومة الشعب الافغاني ضد قوات الاحتلال الامريكي ولا يمر يوم بدون ان تلحق به الخسائر العسكرية والبشرية.
سياسيا، عجزت امريكا عن خلق قاعدة اجتماعية لها في العراق وافغانستان على الرغم من كل التطبيل والتزمير عن حقوق الانسان، وحقوق المرأة، وتأسيس منظمات المجتمع المدني المدعومة ماديا من قبل امريكا وبشروط محددة. وفي فلسطين، اصبحت جرائم الكيان الصهيوني جرائم امريكية ومن الصعب جدا التفريق بينها بحكم المسؤولية المشتركة. وبينما يواصل الكيان الصهيوني حصاره على الشعب الفلسطيني في غزة، ويستمر في منع الفلسطينيين من العودة الى ديارهم، ويمنح الجنسية والجواز وحق الاقامة لكل من يدعي بأنه 'يهودي يود العودة' الى ارض الميعاد، سمعنا اوباما، في 'سياسته الجديدة'، داعيا الفلسطينيين إلى 'نبذ العنف'، ليساوي بين الضحية والجلاد، بين الشعب المحاصر والغزاة المعتدين، وليساوي بين الدعوة المشروعة والمنطقية لتفكيك الكيان العنصري الإسرائيلي مثلما تم في جنوب أفريقيا، وبين النازية، تماما كما تفعل الصهيونية في إعلامها. ولم يعطنا أوباما، ولو مثالا واحدا، عن النجاحات التي حققتها 'مفاوضات السلام' الممتدة على مدى عقود مع الكيان الصهيوني والادارات الامريكية المتعاقبة.
لقد اشار اوباما في خطابه، بالتحديد، الى ثلاثة بلدان هي فلسطين والعراق وافغانستان ووضعها، بطريقة تتناسب مع التفكير الامريكي وخطابه الامبريالي، في سلة واحدة هي 'الاسلام' مع عشرات البلدان الأخرى، معربا عن امله في أن 'يسهم خطابه في فتح حوار بين الغرب والعالم الإسلامي للتغلب على سوء الفهم بين الطرفين'. وقد اختار اوباما التعامي عن ان العامل المشترك الأهم بين هذه البلدان هو الاحتلال الأمريكي ـ الصهيوني، وما يسببه الاحتلال من تخريب وهدم وتشريد وقتل وظلم وما يثيره من مشاعر غضب عارم بين كل الشعوب المحبة للسلام والعدالة وليس الدول 'الاسلامية' فحسب.
ولا يسع المرء وهو يصغي الى تعبير'سوء الفهم بين الطرفين' الا ان يتساءل: هل قتل مليون مواطن عراقي وتشريد خمسة ملايين آخرين وخلق مليون ارملة وخمسة ملايين يتيم، خلال ست سنوات فقط من الاحتلال الامريكي للعراق، هو سوء فهم بين طرفين؟ هل غزو بلاد وتخريبها وتفكيك دولتها ونهب ثرواتها هو سوء فهم؟ هل حرق المكتبات والجامعات ونهب المتاحف وتهريب الآثارهو سوء فهم بين طرفين؟ هل اعتقال وامتهان كرامة المواطنين، نساء ورجالا واطفالا، والتعذيب والاغتصاب المثبت بالصور هو سوء فهم بين طرفين؟ هل كان اوباما سيعتبر ما حدث سوء فهم لو كان الجيش العراقي قد احتل امريكا وارتكب جرائم مماثلة لما فعلته امريكا في العراق؟ وما تفعله امريكا والكيان الصهيوني في فلسطين؟ وما تفعله امريكا في افغانستان؟
واذا كان احتلال العراق وافغانستان نتيجة سوء فهم حقا بين الاطراف المعنية، وان ادارة الرئيس اوباما مقتنعة، فعلا، بخطابه، فلماذا لم يعلن في خطابه، بدلا من الضحك على الذقون، عن انسحاب القوات الامريكية الغازية من افغانستان والعراق بلا كلام فارغ عن التعاون العسكري مع حكومات نصبتها الادارة الامريكية؟ لماذا لم يشر الى حالة الموت البطيء التي يعيشها ابناء الشعب الفلسطيني مهددا، ولو لفظيا، الكيان الصهيوني بقطع المساعدات المادية عنه وفرض الحصار عليه؟
ترى هل يكفي قول اوباما في خطابه 'السلام عليكم'، واستشهاده بالقرآن الكريم، لمسح عار أئمة الجوامع الذين تم اغتصابهم او هددوا باغتصاب زوجاتهم وبناتهم من قبل جنود جيشه في العراق؟ ومن الذي سيعيد لذوي المليون ضحية حياتهم وكرامتهم وللمشردين والمهجرين بيوتهم واعمالهم؟ ومن الذي سيحاسب على جرائم القتل الموثقة وسرقة الاموال ونهب الاملاك؟
واذا ما قرأنا الخطاب كوثيقة تغيير من المنظور الأوسع، لوجدنا ان ميزته الاساسية هي الزيف الناعم المطعم بابتسامة اوباما الواسعة. وقد طغى هذا الزيف على كل فقرات الخطاب، ولم يسلم حتى التاريخ من التزييف حين ذكر اوباما بأن 'التوتر بين الولايات المتحدة والمسلمين تعود جذوره إلى قوى تاريخية تتجاوز النقاش السياسي الحالي'، ملقيا اللوم على 'جماعات التشدد المائلة للعنف' من المسلمين، ليكرس السياسة الامريكية الخارجية ذاتها وليغطي على جرائم امريكا المستمرة في العالمين العربي والاسلامي.
ولم يتجاوز اوباما سياسة ادارة بوش في أي من البلدان المحتلة بل أكد بان انسحاب قواته سيتم فقط 'في حال توافرت لديها الثقة بأنه لن يكون هناك متشددون ينزعون إلى العنف في أفغانستان وباكستان ويسعون إلى قتل أكبر عدد ممكن من الأمريكيين'. وهو تبرير كلاسيكي للمستعمرين على مر العصور، يتم فيه الربط بين احتلال بلد ما والدفاع عن أمن واستقرار بلد الاحتلال ولو كان على بعد آلاف الاميال. ولم يخبرنا اوباما عن عدد الضحايا الافغان والباكستانيين الذين سيدفعون ثمن تأكد امريكا من عدم وجود 'متشددين'. وتعامى اوباما عن حقيقة ان وجود القوات الامريكية في افغانستان وباكستان والعراق هو احتلال ومن حق الشعوب، قانونيا وشرعيا واخلاقيا، مقاومة الاحتلال. وفي ما يخص العراق لم يربط اوباما انسحاب قواته بشرط استعادة الأمن لسبب بسيط وهو ان هذا الشرط موجود في الاتفاقية الأمنية طويلة الأمد التي وقعتها ادارة بوش مع حلفائها العراقيين قبل فوز اوباما بالرئاسة.
ان خطاب اوباما يشير الى افلاس سياسة الامبريالية الامريكية عالميا وليس مع العالم الاسلامي فحسب، وطلبه دعم العالم الاسلامي في تدمير افغانستان، هو دليل على ذلك. أما حديثه عن 'السلام' سواء في فلسطين او العراق او افغانستان فانه، كما قال هوشي منه، قائد المقاومة الفييتنامية التي دحرت الاحتلال الامريكي: 'ان من الحقائق المعروفة انه كلما ارادت امريكا تصعيد حربها الاجرامية لجأت الى اسطوانة ' مباحثات السلام 'لخداع الرأي العام العالمي
'.