Friday, 19 June 2009

استخدام اللغة كقنابل دخانية في العراق المحتل

23/05/2009
لم يكتف المحتل الانكلو امريكي، منذ نيسان (ابريل) 2003، بتخريب البنية التحتية للعراق واستهداف أهله بل انه يواصل بمثابرة، من خلال أصوات مستخدميه، تزوير التاريخ عبر تفريغ اللغة من الحقيقة.
واذا ما اتفقنا مع الفيلسوف والشاعر الامريكي رالف أمرسون بأن اللغة هي أرشيف التاريخ لوجدنا ان استنباط المفردات والمصطلحات واعادة تكرير المفاهيم من قبل المحتل ومستخدميه يهدف الى تكريس سياسة المحتل والمستعمر، لغويا، من جهة وتشويه الحقيقة الكامنة في الحدث التاريخي من جهة ثانية. وكما هو معروف، اذا لم يكن للغة الخطاب اليومي والكتابة ونقل الافكار والتواصل، وضوح المعنى والهدف فانها تصبح، لا محالة، نباحا او نقيقا او نهيقا. انها اصوات تطلق لتضليل المواطن فلا يعود قادرا على فهم فحوى القضايا، مشابهة بذلك القنابل الدخانية، المستخدمة عسكريا، لاحداث سحابة دخانية من اجل اخفاء تحركات القوات. انها ايضا ترسيخ للسرد الرسمي للاحداث وتغييب مقصود للحقيقة بكل مستوياتها الانسانية والاخلاقية.
والأمثلة على استخدام اللغة كقنابل دخانية للتضليل وما يترتب على ذلك من تشويه للحقيقة والتاريخ، في العراق المحتل، كثيرة. بدأها المحتل بوصف الاحتلال 'تحريرا' والغزو عملية 'الحرية المستدامة'، وانتقل الى وصف جلادي معتقل ابو غريب بانهم 'بضع تفاحات فاسدة' أو أنها 'تافهة بمقياس ما جرى في الماضي'، وان ضرب المعتقلين الابرياء واغتصاب الفتيات والرجال ليس تعذيبا بل 'اسلوبا لا بد منه لحماية أمن العالم'. وتمت تسمية قتل الابرياء 'ضررا جانبيا في عمليات فائقة الدقة '، والمجازر المتكررة 'اخطاء غير مقصودة'، ومقاومة المحتل'ارهابا صداميا سنيا بعثيا وهابيا'. ووصف افتتاح اكبر مبنى لقوات الاحتلال في العالم بموظفيه من المخابرات والاستخبارات والمستشارين الامنيين بانه 'تعزيز لسيادة البلد المضيف'.
وبعد فترة ثبت فيها فشل فكرة الترويع والصدمة التي سارعليها الأمريكيون في بدايات الحرب والإحتلال، إنتقلوا الى تغيير اسماء قواعد الاحتلال العسكرية من الاسماء الاجنبية الى العربية وبمعان تمتد عميقا في الوعي الجماعي العراقي، كطريقة للايحاء بأنها قواعد تنبع من حاجة الشعب العراقي وتمثل ما يصبو اليه وليست مفروضة عليه قسرا. فصارت القواعد العسكرية التي سميت في بداية الأمر الذئب الرمادي والحصان الحديدي والتنين الفولاذي تدعي التوحيد الأول والوطني والشرف. أما العمليات العسكرية التي شنتها قوات الاحتلال والبالغ عددها 4959، فقد تم تغييرها من اسماء تنضح بالعنجهية والقسوة والاشارة الى الحملات الصليبية مثل المثقاب الصليبي ومعبر الشيطان والمطرقة الحديدية ولدغة العقرب الى اسماء ذات معان لطيفة، تظهر عكس ما تبطن، وتتماشى مع استخدام العراقيين المنخرطين في الجيش كدرع لحماية قوات الاحتلال. فتفتقت أذهان سياسيي الاحتلال في حكومة المالكي عن أسماء على غرار صولة الفرسان وأم الربيعين وبشائر الخير لتغطية رائحة الموت الناتجة عن عمليات الابادة الجماعية التي شنت بالتناوب، على مختلف المدن، تحت ذريعة محاربة القاعدة والارهاب.
ويقوم الباحث والمحلل السياسي الامريكي ويليام أركن في كتابه الرائع 'الاسماء المشفرة: تفكيك شفرة الخطط العسكرية والبرامج والعمليات العسكرية الامريكية في العراق وافغانستان منذ 11 أيلول/سبتمبر' بتوضيح طبيعة ما يزيد عن ثلاثة آلاف عملية مشفرة خطط لها الجيش الامريكي في العراق وافغانستان وتم تصنيفها بأنها سرية او بالغة السرية بحجة الحرب على الارهاب.
وقد تنافس مستخدمو الاحتلال من العراقيين مع اسيادهم في القاء القنابل الدخانية بل واصبحوا، احيانا، أكثر دخانية منهم. ولنا في خطب وتصريحات الجعفري، رئيس وزراء حكومة الاحتلال الثانية، كنز لا يفنى. فهو أبو الشفافية والمقاسات والنمطية والمكونات والافرازات والتمازج والتفاعل وكيف نمتد بايجابياتنا الى الساحة، ونمنع سلبيات الساحة علينا، والحوار من موقع الاختلاف وخندق البرلمان والشعور اللذيذ بالفشل!
ويقوم عدد من سياسيي الاحتلال، خاصة من الحزبين الكرديين، مثل كل مبتدئ في صف للغة جديدة، بتكرار واستخدام ألفاظا سياسية معينة في غير موقعها الصحيح، فصارت 'الفيدرالية ' هي البسملة التي يفتتحون بها تصريحاتهم و' المناطق المتنازع عليها' هي الخاتمة مرورا بصلاحيات ' حكومة الأقليم والحكومة المركزية'. مما يوحي بان العراق قد تم تقسيمه حقا ولم يبق امام الحكومات الثلاث في بغداد واربيل والسليمانية، غير بضع مناطق متنازع عليها ليتم رسم خارطة ' العراق الجديد' وكتابة تاريخه المعاصر، وهذا نجاح حقيقي لسياسة فرق تسد الاستعمارية. ويقودنا مصطلح ' المناطق المتنازع عليها' المستخدم، عادة، لفض النزاع بين الدول وليس ابناء الشعب الواحد، الى تصريح لمعاون محافظ ديالى استخدم فيه مصطلحا، قد يفوز به على الحزبين الكرديين، وهو 'المناطق منزوعة السلاح'. وكما يبدو من التصريح ان هناك سياسة جديدة تبنتها القوات الامنية بتوجيه من المالكي في 'خطة بشائر الخير الثانية' تدعو الى خلق مناطق منزوعة السلاح. أو على الاقل هذا ما يبدو ظاهريا ضمن حملات الانتقام والاعتقال الكيدي والقتل الموجهة ضد السكان في منطقة ديالى. حيث يشارك في الهجوم نحو 35 الفا من قوات الشرطة اضافة الى قوات الفرقة الخامسة من الجيش العراقي ولواءين تابعين الى احدى الفرق العسكرية من خارج المحافظة وبدعم من قوات الاحتلال الامريكي ومشاركة قوات حرس الاقليم (البيشمركة) كما قال المتحدث الرسمي باسم لواء الفريق القتالي الأول التابع للقوات 'المتعددة الجنسية' الرائد كريس هايدي. وقد تحاشى المتحدثون الرسميون من القوات الامنية العراقية، وكذلك اعضاء مجلس المحافظة، ذكر مشاركة قوات الاحتلال والبيشمركة، لما قد تثيره المشاركة من غضب شعبي، خاصة وان القوات الكردية، حسب صحيفة 'هاولاتي'، كانت قد رفضت ان ينشأ الجيش العراقي غرفة العمليات في مدينة خانقين وطالبوا بنقلها الى مدينة جلولاء. وأكد مصدر مسؤول من المناطق الكردية في محافظة ديالى، لـ'هاولاتي'، ' ان الجيش العراقي يريد التقدم صوب مدينة خانقين وجبارة، لانتزاعها من ايدي الجانب الكردي، كما فعل في المرة السابقة بحق مدينة قرةتبة وجلولاء'.
واشار المصدر الى 'ان عبوة ناسفة زرعت في قارعة الطريق بين قرةتبة و جبارة قبل ايام قليلة، وطبيعة زرعها اكدت ان العملية ليست من صنع الارهابيين، حيث شاهد اهالي المنطقة قبل زرع العبوة، قوة امريكية عبرت الطريق ووقفت في مكان العبوة، مما خلّق فرضية لدى المراقبين بأن الجيش العراقي يريد ان يقول ان المنطقة غير آمنة وتحتاج الى عملية عسكرية'.
والمعروف ان حملة بشائر الخير الاولى التي شنت في الثامن من آب /اغسطس 2008 كانت قد أدت وحسب مصدر أمني مسؤول في ديالى الى اعتقال 800 مواطن، معظمهم ليسوا مطلوبين بل مشتبها بهم. ولا تزال الحملة مستمرة في اعتقال المواطنين وكالعادة بتهمة 'الارهاب واستهداف خلايا القاعدة والجماعات الخارجة على القانون'، ويتم تصنيف المعتقلين بعد اعتقالهم بالجملة مابين 'مشتبه بهم' او 'مطلوبين'، ومصيرهم في كل الاحوال واحد وهو النقل الى غياهب معتقلات لن يتمكنوا من مغادرتها الا بقدرة قادر. ومن بين نتائج حملة بشائر الخير الثانية، حسب التصريحات الامنية، حتى الآن، اعتقال عشرات 'الارهابيين' بينهم ثلاث نساء 'انتحاريات'، فضلا عن اعتقال عشرات ' المشتبه بهم' و'المطلوبين' وقتل 34 'مسلحا' واستمرار عمليات دهم البيوت وتفتيشها.
ولفرك جروح ابناء العراق بالملح وكمحاولة لسد العيون بدخان قنابل التضليل فيما يخص الاتفاقية الامنية والسياسية والاقتصادية والثقافية طويلة المدى، التي سميت ' اتفاقية الانسحاب' تزويرا، بشرنا مصدر في جيش الاحتلال بأن 'القوات الامريكية تعتزم تنفيذ عملية امنية واسعة النطاق في اطراف العاصمة بغداد استعدادا للانسحاب المرتقب في حزيران /يونيو المقبل'. وكأن بشائر خيرهم وخير المالكي غير كافية في ديالى والموصل والبصرة وبغداد، في عام 2008، فها هم يعيدون الكرة بلغة جديدة وحجة جديدة هي استهداف 'الخلايا النائمة التابعة للتنظيمات المسلحة'.
ان المستعمر ومستخدميه لن يكفوا عن ترويع المواطنين وارهابهم كمحاولة لتغييب كل صوت مناهض لوجودهم وتحت مختلف الحجج والمسميات، كما انهم لن يكفوا عن تغيير تكتيكاتهم ولغة خطابهم اثر كل فشل تنزله بهم المقاومة الوطنية. صحيح أن تزوير التأريخ وخلق الوعي الزائف هو من خصال الطبقات الحاكمة ومثقفيها، عبر العصور، ويزداد استشراء في ظل هيمنة المستعمر، لكنه وصل في عصر الإمبراطورية الأمريكية مداه، خصوصا في موقع تخلخلها الأهم في بلادنا تحت ضربات مقاومة الشعب العراقي وأصالته.
وهنا يبرز الاختلاف الجوهري بين لغة المقاومة من جهة والمحتل ومستخدميه من جهة ثانية. اذ يبقى صوت المقاومة المسلحة والحركات السياسية المناهضة للاحتلال متميزا بوضوح لغته النابعة من وضوح مبادئه واهدافه، التي تبين بان مصدر الصراع الحقيقي، في بلادنا، هو المحتل بالدرجة الاولى، وهي الحقيقة التي لن تطمسها كل قنابل العدو الدخانية وتعليباته البراقة
.