Wednesday, 10 November 2010

العراق: انسحاب امريكا ما بين الاستجداء بالبقاء واعادة التوطين

القدس العربي
06/08/2010
نحن نعلم جيدا بان انسحاب القوات الامريكية 'المقاتلة' من العراق واستبدالها بالمستشارين والمدربين والمرتزقة الذين سيزيد عددهم في حصيلة الامر على عدد القوات العسكرية الموجودة حاليا، ما هو غير استبدال البزة العسكرية بالبدلة المدنية، بعد ان اهترأ الزي العسكري وصار رمزا يتبرأ منه حتى من ساهم بالغزو، جنبا الى جنب، مع قوات الاحتلال.
غير ان هذا الانسحاب، وان كان أسميا، ويشكل تجسيدا لمرحلة النيو كولونيالية المستديمة، لا يثير الاطمئنان لدى من يعمل مع القوات أو ساهم بأي شكل كان في الاعداد لمجيئها او تقويتها ودعمها فيما بعد، فضلا عن الداعين الى بقائها خشية ' الفراغ السياسي '، وكأن الهياكل الموجودة تمثل حضورا ايجابيا فاعلا لصالح الشعب العراقي، أو وكما جاء في مقابلة نشرتها صحيفة 'الغارديان'، يوم أمس، مع وزير خارجية العراق الاسبق طارق عزيز، القائل في تبريره للدعوة الى ابقاء القوات الامريكية المقاتل:'حين ترتكب خطأ، عليك تصحيح الخطأ، لا ان تترك العراق لموته'، وهذا التصريح، فضلا عن مخاوف البعض من ان الاحتلال الايراني سيحل حال خروج الاحتلال الامريكي، يثير نقطة مهمة، ساعود اليها في مقال مقبل.
عموما، بالنسبة للجهات التي ذكرتها، يشكل انسحاب قوات الاحتلال، مصدر خوف شديد لانه سيحقق، عمليا، ذلك الاحساس العميق بالتوجس الذي طالما يحاول كل داعم للاحتلال ابعاده عن ذهنه ليواصل حياته في طمأنينة ديمومة ما أسميه بـ' الحضانة الامريكية'. وهي المتميزة باللاديمومة، الا اذا كانت، وهنا اتحدث عن استخدام 'الحضانة' كرمز، منسوجة بالمصالح الآنية او الاستراتيجية للسياسة الامريكية وحماية أمنها القومي. ودروس التاريخ حافلة بنماذج من طردوا من الحضانة الامريكية (فعليا او معنويا)، الى مجاهل العالم الخارجي ليواجهوا غضب شعبهم واهمال حلفاء الامس معا.
ويشير دفتر سجلات 'الحضانة الامريكية' في العراق، الى انها وفرت الرعاية والحماية، لاصناف متعددة من المسجلين لديها ولفترات زمنية مختلفة. فالحزبان القوميان الكرديان، مثلا، تمتعا بالحماية منذ التسعينات، وهي فترة طويلة نسبيا بالمقارنة مع تسجيل 'الصحوات' وعدد من الاحزاب والشخصيات المنخرطة حاليا بما يسمى بالعملية السياسية. وعلى الرغم من التفاوت الزمني في فترة الرعاية، وعلى الرغم من تصريحات الساسة العراقيين، لاغراض التنافس السياسي والاعلامي، بوجوب انهاء الاحتلال، يخشى الكل من غياب الحماية المباشرة. وكما يبدو، من التصريحات الجانبية، لعدد من المسؤولين والخبراء الامريكيين، فأن محاججتهم حول استمرارية 'رعاية العملية السياسية' و'الديمقراطية الناشئة'، انما يكررونها لاشاعة الطمأنينة بين افراد حضانتهم، وهي رد فعل مباشر على نداءات طلب استمرار الحماية، غير المعلن عنها، وبأي شكل كان. حيث نقلت صحيفة 'الواشنطن بوست' الامريكية تصريحا لميسون الدملوجي، الناطقة باسم القائمة العراقية برئاسة أياد علاوي، جاء فيه ان جو بايدن، نائب الرئيس الامريكي، ' شدد خلال جلسة مدتها ساعة ونصف مع السياسيين العراقيين، بحضور السفير الامريكي كريستوفر هيل والجنرال راي اوديرنو، قائد القوات الامريكية في العراق، على ان واشنطن ملتزمة 'بعلاقة استراتيجية طويلة الامد مع العراق'. بينما صرح مسؤول امريكي كبير، مرافق لبايدن، لوكالة انباء فرانس برس، 'نحن لا ننسحب من العراق، كل ما في الامر ان مشاركتنا آخذة في التغير. سننتقل من القيادة العسكرية إلى القيادة المدنية'. على هذه الغرار، كتب اياد علاوي، في الشهر الماضي، مقالا لصحيفة الواشنطن بوست داعيا فيه واشنطن الى 'العمل بنشاط' في العراق وحذر من أن البلاد 'لا يمكن السماح لها أن تعود إلى حالة عدم الاستقرار نتيجة الصراع الطائفي الذي تهيمن عليه التأثيرات الإقليمية'. وليست القائمة العراقية هي الوحيدة المستنجدة بالبقاء الامريكي فعليا والداعية الى انهاء الاحتلال ظاهريا، فهذا حال معظم الساسة واحزابهم في حكومات الاحتلال المتعاقبة، وان كانت قد اضيفت اليهم، في الآونة الاخيرة، شريحة اخرى، صارت محط عطف البعض، نتيجة تآكل العلاقة بينها وبين القوات الامريكية بحكم قلة الطلب على الخدمات المعروضة وكثرة المتنافسين في السوق الى حد المجانية أو مجرد القبول بالحماية.
وقد تناولت راشيل شنلر، الموظفة بوزارة الخارجية الأمريكية، وزميل الشؤون الدولية في مجلس العلاقات الخارجية، حال هذه الشريحة في مقالة لها نشرت في 'العالم اليوم'، عدد شهر آب/ أغسطس، بعنوان ' الانسحاب الامريكي والعراق: يجب ان نفترق'. وهي مقالة لا تخلو من التنميط الجاهز عن العنف وسلوك المسلمين، غير ان ما يهمنا فيها هو الموقف الامريكي الداعي الى وجوب 'انهاء العمليات العسكرية' التي شارفت مدتها على تجاوز مدة الحرب الامريكية ضد فيتنام، بعد ان كلفت دافع الضرائب الامريكي تريليونات الدولارات فضلا عن الخسائر البشرية. فبالنسبة الى عموم الرأي العام الامريكي ومعظم مسؤولي الادارة الامريكية انها معركة خاسرة، واذا ما كان العراقيون يريدون قتل بعضهم البعض فليفعلوا. وهو الغطاء الاخلاقي الافضل للتهرب من المسؤولية الامريكية في غزو وتخريب العراق. تحاول شنلر استقراء مصير المائة ألف من افراد الصحوة الذين تم استقطابهم بعقود عمل دورية مع الجيش الامريكي وبميزانية ضخمة مقابل توفير الحماية للقوات الامريكية وهاهم بأمس الحاجة الآن الى الحماية ازاء حملة الاغتيالات الراصدة لهم بشكل يومي ومن عدة جهات ترى في وجودهم اما خطرا عليهم او منافسة كقوى بديلة او خيانة. فما هو الحل وما هو المنظور 'الانساني الامريكي' لمساعدة حلفاء الامس؟
تقترح شنلر منح عوائل افراد الصحوة، على الاقل، حق اعادة التوطين في امريكا، مبينة ان وضع حلفاء الامس من الصحوة حرج حقا لانهم ' غير مؤهلين لاعادة توطينهم في الولايات المتحدة. ومع ذلك، دون مساعدة الصحوة، يكاد يكون من المؤكد ان القوات الامريكية كانت ستهزم. وبعد أن وقعنا اتفاقا مع الصحوة علينا التمسك حتى النهاية بجانبنا من الصفقة من خلال حماية الأعضاء المتبقين من قبل تنظيم القاعدة أو الميليشيات الشيعية. وينبغي علينا مساعدة اسر مقاتلي الصحوة للانضمام الى برنامج اللاجئين في الولايات المتحدة؛ وينبغي عدم تطبيق القيود المفروضة على إعادة التوطين على الزوجات والأطفال الأبرياء. ان مصداقية أمريكا كشريك استراتيجي في منطقة الخليج تعتمد، إلى حد كبير، على كيفية تعاملنا مع حلفائنا العرب، بمن فيهم أفراد الصحوة.
كما سيؤدي انسحاب القوات العسكرية، الى فقدان الآلاف من العراقيين لوظائفهم كمترجمين ومساعدين. وإلى جانب فقدان الدخل فإنهم سيواجهون التهديدات بالقتل لانهم كانوا يعملون مع الامريكيين، ولن يكون هناك عدد كاف من القوات لحمايتهم. علينا توفير الوصول السريع والفعال للتسجيل ببرنامج مساعدة اللاجئين لأولئك الذين يريدون إعادة توطينهم في الولايات المتحدة. اما بالنسبة لأولئك الذين لا يرغبون في مغادرة العراق، فعلينا النظر بتوفير مكافأة سخية لهم، آخذين بنظر الاعتبار حاجتهم المتزايدة إلى الأمن، بعد مغادرة القوات الامريكية'.
يستشف من مقالة راشيل شنلر، وهي المسؤولة في وزارة الخارجية، بأن كل من عمل ووفر الخدمات لقوات الاحتلال يمر، حاليا، بحالة ذعر تستدعي العلاج السريع، خاصة وان مشروع القرن الامريكي الجديد للمنطقة كان يستند على جعل العراق نموذجا لبقية الدول العربية، وان التخلي عن الحلفاء سيؤدي الى عواقب مسيئة، كما تنبه شنلر قائلة: 'ان مصداقية أمريكا كشريك استراتيجي في منطقة الخليج تعتمد، إلى حد كبير، على كيفية تعاملنا مع حلفائنا العرب'. وقد لا ينطبق نداء شنلر 'الانساني' باعادة التوطين على كل العاملين مع الاحتلال، حسب النموذج الفيتنامي، نظرا لأن معظم ساسة ' العراق الجديد' اليوم هم من حملة الجنسيات المزدوجة، كما لاينطبق على عوائلهم لانهم أساسا لا يعيشون في العراق، غير ان بالامكان اعتبار تصريحات الطمأنة الأوبامية والبايدنية لهم ولغيرهم مؤشرا مهما على ان ازدواجية الجنسيات، بحد ذاتها، لم يعد عامل استقرار وطمأنينة حتى للساسة الذين لايكفون عن تأكيد الولاء وعرض الخدمات بشكل 'ديمقراطي' ملائم للطبخة الامريكية
.