Saturday, 5 January 2013

هل سيوضع الاسد في القفص؟

05/08/2011
 صور فريدة بجمالها الوحشي الفج المتحضر، في آن واحد، صنعتها شعوب البلدان العربية الثائرة، أخيرا، لتختزنها في ذاكرة قلما يزورها الفرح. صور لم يرغب ناس هذه البلدان الذين يصفهم الشاعر صلاح عبد الصبور بانهم 'بشر، طيبون، ومؤمنون بالقدر' برؤيتها لولا حالة القهر التي اوصلهم اليها حكامها ولولا ان الثورات، بعد انكسار، لايمكن الا ان تكون بهذا الشكل.
واحدة من الصور لرئيس محروق الوجه والجسد، مثل شجرة شطرها برق حارق، بيدين من بلاستيك موضوعتين بعناية، لغرض التصوير، في حضنه. علي صالح، المصِّر على انه رئيس ثابت أزلي على كرسي الحكم، وهنا المفارقة، تم بالكاد تثبيته لبضع دقائق على مقعد، بمواجهة كاميرا، للقول بانه لايزال حيا. الصورة الثانية لرئيس مخلوع، هذه المرة، ممدد على سرير في قفص، لا يرى منه غير وجهه، الذي تحجب معظمه قضبان القفص المصنوع خصيصا لايوائه وولديه. الولدان اللذان هيأهما ( بمساعدة حاشيته)، على مدى عقود، لوراثة البلاد التي خيل له، كما كل الملوك والرؤساء العرب، ملكيتها. رئيس ثالث كان قد نفد بجلده، هاربا، في ليلة كادت ايادي ابناء الشعب ان تطبق على وجوده.
من الذي سيكون صاحب الصورة الرابعة في مسابقة السقوط امام غضب الشعب، فالعام عام غضب؟ هل هو القذافي؟ هاذيا عن شعب أتعبه فاستحق الملاحقة كالجرذان من زنقة الى زنقة؟ أم انه الأسد الأبن، أبن الأسرة الحاكمة المتلفعة بحزب حاكم متلفع، بدوره، بملابس الامبراطور عن ' المقاومة والممانعة'، التي باتت تثير من الاسئلة أكثر من الأجوبة فيما يتعلق بالتحالفات السياسية غير المعلنة، ومن بينها ما اشار اليه الادميرال أريك أولسون، آمر قيادة العمليات الامريكية الخاصة، في شهادته امام لجنة الشؤون العسكرية بمجلس النواب عن 'دور قوات العمليات الخاصة في الحرب ضد الارهاب'، بداية العام الحالي، من ان 85 بالمئة من القوات الخاصة العاملة خارج امريكا موجودة في 20 دولة تقع في محيط القيادة المركزية في ' الشرق الاوسط الكبير'، من بينها سورية، فضلا عن البحرين، العراق، مصر، ايران، الاردن، الكويت، لبنان، عمان، قطر، السعودية، الامارات واليمن. واذا ما تركنا ذلك جانبا، على اهميته، يبقى السؤال الأهم هو: لماذا يجب ان يكون نظام او حزب الممانعة والمقاومة، بالضرورة، قمعيا، فاشيا، ضد ابناء الشعب، وكأن الشعب ليس هو جوهر المقاومة والممانعة وهو من يدفع بدمه ثمن الدفاع عن الوطن؟
هل سيكون الأسد، وريث الحكم بشكل ملكي في بلد نظامه غير ملكي، هو الصورة الرابعة؟ وباي شكل ستكون الصورة؟ هنا، نتساءل. ما الذي فكر فيه الرئيس بشار الأسد وهو يصدر اوامره باطلاق النار على المتظاهرين، يوم الاربعاء الماضي، مثلا، ليسقط العشرات منهم ضحايا اوامره (او اوامر احد قادته، هذا تفصيل غير مهم) في ذات الوقت الذي يضطجع فيه الرئيس المخلوع حسني مبارك في قفص حديدي مواجها ذات التهمة: تهمة اطلاق النار على ابناء الشعب من المتظاهرين؟ هل خطر في ذهنه، ولو للحظات، ان مسار إحكام قبضته وردود افعال نظامه الوحشية، يشير بوضوح الى مصيره؟ الى صورته المقبلة، ايا كانت، سواء كانت صورة بن علي الهارب في غفلة الليل، أو علي صالح المحروق الموضوع على كرسي، او مبارك المتمدد على سرير في قفص؟ وأي تكلفة سيدفع الناس الذين يدعي تمثيلهم لالتقاط هذه الصورة؟ ما الذي يجعله يعتقد بانه سيكون مختلفا عمن سبقه من الحكام المستبدين أمام غضب الشعب الجائع لاسترداد حريته وكرامته؟
ماذا عن العراق الذي يتميز عن بقية البلدان العربية المغضوب عليها برئيس واحد بأنه، منذ غزو التتار في عام 2003، يتناوب على تخريبه 'حفنة رؤساء' وليس رئيسا واحدا مثل بقية الدول العربية؟ فمن الذي سيهرب في خلسة من غضب الشعب، ومن الذي سيتمدد أو يقف في القفص؟ ما الذي ستكون عليه صورة نوري المالكي وهو رئيس الوزراء ووزير الدفاع والداخلية والأمن القومي ورئيس حزب الدعوة، وقائد القوات المسلحة الذي أمر، باطلاق النار على المتظاهرين يوم 25 شباط / فبراير 2011 فقتل منهم 29 متظاهرا في يوم واحد؟ ولن اسرد هنا ارقام ضحاياه وضحايا نظامه الذين تجاوزوا الآلاف قتلا وتهجيرا، بل اكتفي بالتهمة الموجهة الى الرئيس المصري المخلوع فقط؟
وما الذي ستكون عليه صورة ' الرئيسين' الآخرين: جلال الطالباني (رئيس العراق) ومسعود البارزاني (رئيس اقليم كردستان) المماثلين، الى حد الاستنساخ، للحكام العرب في نواحي الفساد وقمع الحريات وتوريث المناصب واعتبار الاقليم والشعب ملكا صرفا لهما توارثاه أبا عن جد وسيورثوه الى ابنائهم من بعدهم، او هكذا يتوهمون. ما الذي ستجلبه الايام المقبلة وابناء المنطقة يتظاهرون احتجاجا على قمع الحريات والفساد وتوريث المناصب واحتكار الخيرات ؟ ان الطالباني والبارزاني يتحملان، بالإضافة لمشاركتهم في جريمة الإحتلال، مسؤولية الأمر باطلاق النار على المتظاهرين وقتل عدد منهم وتسرب الفساد الى بنية المجتمع وعقلية ابنائه وقضائهم على كل امل بالتخلص منه (خاصة وان المنطقة مستقلة تقريبا منذ بداية التسعينات في القرن الماضي)، لانهما يدركان جيدا بأن تنظيف الاقليم من الفساد الاداري والرشوة والواسطة والمحسوبية والمنسوبية سيقضي عليهما شخصيا. فمن هو الاقدر على مداراة القمع والفساد من ابناء العائلة الواحدة في حكم العائلة بعيدا عن الشعب وهمومه وحقوقه؟
من المثير للسخرية، اذن، ونحن (في معظم البلدان العربية) نعيش مأساة بهذا الحجم، ان يقف البعض، خاصة من المثقفين، موقفا سلبيا من انتفاضة الشعوب، مرددا، بنبرة مراوغة، تبريرات الانظمة ذاتها حول التدخلات الاجنبية ووجود المندسين والمخربين والحرص على سلامة الوطن. وقد تكون هناك، فعلا، بعض التدخلات الاجنبية واحتمالات الاندساس واردة، ولكن، اليس من المفروض ان تكتسب الحكومة قوتها من قوة شعبها واحترامها له، وهو واجبها بحكم مسؤولية المناصب التي يتسنمها افرادها وليس منة على الشعوب؟ أليس الأمن القومي مستحيلا، مهما كانت قوة الحكومة العسكرية والأمنية، اذا ما كانت الحكومة قمعية مستبدة ضد ابناء الشعب انفسهم؟ أليست سلامة المواطنين هي كنه سلامة الوطن؟
مخطىء من يظن ان انتفاضات الشعوب في البلدان العربية، في الشهور الأخيرة، هي وليدة اللحظة، لحظة انتحار بو عزيزي، او التواصل على الفيسبوك أو نتيجة تدريب مجموعة من الشباب على المقاومة السلمية في واشنطن. مخطىء، ايضا، من يظن ان روح الانتفاضة ستخمد . انها قد تتعثر، فلكل بلد خصوصيته والطغاة نادرا ما يستقيلون بل انهم لا يرون في الشعوب غير حشود متخلفة، تضر أكثر مما تنفع، ومن الأجدى التخلص منهم ترويعا وتجويعا وتهجيرا
.