Saturday, 5 January 2013

وزير بريطاني يقول للمواطنين استمروا بالنهب!

12/08/2011
منذ ايام والمراكز التجارية في أحياء لندن المختلفة و المدن البريطانية الاخرى تتعرض الى النهب والسلب وحرق البنايات والمتاج.
وقد حدث ذلك اثر قتل الشرطة البريطانية لأحد المواطنين في منطقة توتنهام، شمال لندن، مما أدى إلى مظاهرات منددة بالأمر تطورت إلى هجوم على سيارات الشرطة اولا ثم الى سرقة ونهب المخازن. وقد لقي ثلاثة رجال، كانوا يحاولون حماية مبنى سكني، حتفهم بعدما صدمتهم سيارة في خضم الفوضى في مدينة برمنغهام، شمال بريطانيا. ويسود العاصمة والمدن حالة خوف أدت الى افراغ الشوارع من المارة والمتسوقين وبقائهم في بيوتهم، ليلا خاصة، وكأن البلاد في حالة حرب.
وقد قامت، ولاتزال، اجهزة الاعلام البريطانية، بتغطية الاحداث، يوميا وبالتفصيل. فمن مقابلات مع المسؤولين الحكوميين الى تحليلات اجتماعية وسياسية واقتصادية الى النقل المباشر لما يجري في بعض المناطق. وقد تابعت التغطية الاعلامية الرسمية ( قنوات البي بي سي مثلا) والشعبية (صحيفة الصان وغيرها)، وتصريحات مسؤولي حكومة المحافظين والليبراليين فضلا عن حزب العمال المعارض، وكل فصائل ' الخبراء' في مجالات التحليل النفسي المجتمعي والتعليم وحتى منظمات ومعاهد الاصلاح والتأهيل للمنحرفين من الأحداث.
لاحظت، من متابعتي، اتفاق الجميع على ان ما جرى بحاجة الى تقييم وبحث لاستخلاص العبرة مستقبلا والعمل بسرعة الآن لوضع حد لهذه الظاهرة. وهو موقف لاخلاف عليه، غير ان الموقف الثاني الذي استوقفني هو اتفاق الجميع، بضمنهم حكومة الظل المعارضة التي غالبا ما لا تتفق مع مسؤولي الحكومة في العديد من المواقف، على وصف المحتجين ومن شاركوا في الاحداث بانهم 'مخربون، أشقياء، عصابات اجرامية، مثيرو شغب، فوضيون، وجيوب إجرامية'. اما احداث السلب والنهب نفسها فقد وصفت بانها 'جيوب عنف، حوادث اجرامية، وعمليات شغب'.
ووصف رئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون، الذي قطع اجازته ليعود الى لندن، بان من يقومون بهذه 'الافعال الاجرامية هم حفنة غوغاء'. وهددت وزيرة الداخلية تيريزا ماي قائلة بأنه' انه لن يتم التسامح مع هذا الاستهتار بالممتلكات والسلامة العامة'. ومن الناحية العملية تم نشر نحو 16 ألف شرطي في العاصمة لوحدها، اعلن رئيس الوزراء بانه سيتم انزال الجيش الى الشوارع اذا ما استمر الوضع على حاله.
هذه الصورة عن احداث السلب والنهب والحرق وردود افعال المسؤولين البريطانيين حولها بالتحديد، تعيدني الى عام 2003، عام الغزو الانكلو امريكي للعراق، وما ساد فيه من سلب ونهب (نسميه الفرهود) وحرق للمحال والممتلكات العامة والمتاحف والمعارض والجامعات، وما تناقلته اجهزة الاعلام من صور انتقائية، أحيانا، لتكريس الصورة النمطية للعراقي العنيف.
وقد اثار النهب غضب واستنكار الكثيرين، في جميع انحاء العالم، الا انه قوبل بالضحك والتبريرات النفسية من قبل المسؤولين البريطانيين، خلافا لموقفهم، الحالي ازاء ما يجري في بريطانيا الداعي الى 'عدم الاستهتار بالممتلكات والسلامة العامة' واستنكار الافعال الاجرامية من قبل 'الغوغاء' مع ان ماحدث، في العراق، تحت انظارهم وبتواجدهم العسكري، كان أسوأ بكثير.
حيث خاطب جف هون، وزير الدفاع البريطاني،، يوم 7 نيسان 2003 قائلا للمدنيين من اهل البصرة بعد احتلالها: ' استمروا بالنهب'، حسب صحيفة الديلي تلغراف البريطانية ووكالات الانباء. وكأن موقفه الداعي الى النهب لم يكن كافيا، عاد ليؤكد موقفه في البرلمان البريطاني، في اليوم نفسه، واصفا افعال السرقة والنهب بأنها: 'تحرير' للمواد من مرافق النظام السابق واعادة توزيع الثروة بين ابناء الشعب العراقي'. وبين ضحكات اعضاء مجلس العموم، أضاف قائلا: 'انني اعتبر هذا السلوك من الممارسات الجيدة'.
بهذا الموقف الذي اعتبره اعضاء برلمان حكومة الاحتلال البريطانية مضحكا ( لماذا لايضحكون الآن لحرق المباني في لندن؟)، اعطى وزير الدفاع البريطاني، الضوء الاخضر لبدء عمليات النهب والسلب الشعبي في البصرة بينما قام شريكه رامسفيلد، وزير الدفاع الامريكي، باعطاء الضوء الاخضر للشروع في التخريب والحرق المنظم من قبل جهات كانت قد تهيأت مسبقا، كما في حالة، سرقة الآثار وكل مايمكن حمله ونقله وتهريبه، وكل المباني العامة، قائلا في تعليقه على نهب المتحف العراقي، رمز حضارة العالم: 'انها امور تحدث' وأنها 'تماثل اعمال شغب جمهور لعبة كرة القدم'. اما المتحدث باسم توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني حينئذ، يوم 11/4/2003، فقد برر نهب مستشفيات بغداد بأنه 'موجه ضد المستشفيات التي كانت مخصصة للنخبة في النظام... مثلما حدث في كوسوفو وسيراليون فان الحكومة البريطانية ترى ان الفوضى ستؤدي لاحقا إلى الاستقرار'. مما يجعلنا نتساءل : ولم لا تنظر الحكومة البريطانية الى احداث العنف في بريطانيا وقتل المواطنين البريطانيين، بالمنظار ذاته؟
الم ير المسؤولون البريطانيون كيف قتل طفلان وجرح آخرون عند حاجز تفتيش نصبته القوات الامريكية في الناصرية (حسب رويترز) وكيف قتلوا محمد البرهيني البالغ من العمر25 عاماً، الذي كان يقوم بحماية متجره من اللصوص، في بغداد، متهمين اياه بانه احد 'فدائيي صدام'. (موقع جريدة الحياة على الإنترنت نقلا عن وكالة الصحافة الفرنسية 11/4/2003). ألم يعلموا، وهم الذين يتشدقون، ابدا، بحقوق الانسان واحترام القانون الدولي ويستخدمونها مبررا للتدخل العسكري، بأن قوات الاحتلال مسؤولة عن استمرار هذه العمليات، بسبب عدم التزامها بالقواعد التي نصت عليها اتفاقيات جنيف، التي تضع مسؤوليات الأمن وحماية أرواح المدنيين وممتلكاتهم على عاتق القوات المحتلة، وإن تبرير الأعمال المنافية للقانون الدولي ولاتفاقيات جنيف، كنهب وحرق المستشفيات والممتلكات العامة، هو عمل يتوجب المساءلة، ويتحمل الشخص الذي يبرره تبعاته؟
وكانت منظمة حقوق الانسان العراقية قد كتبت، في رد لها على تشبيه المتحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني، بان ما يجري في العراق مماثل لما 'حدث في كوسوفو وسيراليون' مبينة انه 'لقد قامت الهيئات الدولية المختصة بتوصيف عمليات السلب والنهب والقتل التي جرت في كوسوفو وسيراليون، بأنها جرائم حرب. وقد جرت هذه العمليات في ظل سيطرة مليشيات مسلحة متناحرة. بينما تتواجد في المدن العراقية القوات الأمريكية والبريطانية المُلزمة حسب القانون الدولي واتفاقيات جنيف بتنفيذ التزاماتها'.
لا يمكن إفتراض أسباب واحدة لحالات التخريب والنهب الغوغائية في كل زمان ومكان. الا ان القاسم المشترك بينها، عموما، هو إنحسار أو غياب قوة القانون والإنضباط الإجتماعي في ظروف أزمة اقتصادية أو سياسية أو إنفجار غضب عام على القمع والفساد، تتداخل فيه الاهداف المستهدفة بحيث ينعدم التمييز ما بين هو ملك أهلي وعام وبين ما يعود للطبقات الفاسدة. غير ان هذه التحليلات لاتنطبق تماما على حالة النهب والسرقات التي سادت العراق في الايام التي تلت نزول قوات الاحتلال الى الشوارع. ان نهب العراق كان فعلا استراتيجيا منظما لتسهيل جهود قوى الاحتلال الانكلو امريكي على تدمير الدولة والثقافة والنسيج الإجتماعي. وفي الوقت الذي تم فيه القاء القبض على مئات الشباب والاطفال البريطانيين، في الايام الستة الماضية، بتهمة الاشتراك بنهب وتخريب الممتلكات العامة، لايزال اثنان من كبار المسؤولين البريطانيين الذين حثوا على نهب العراق، وتخريب بنيته التحتية، وحرق مكتباته ومتاحفه ومعارضه، يتمتعان بحياتيهما، خارج حدود القانون والعدالة.